أغنية في جيب الجندي
عن الفن حين يذهب إلى الحرب حاملًا صورة الحبيبة
في عام 1938، قبل أن تشتعل الحرب العالمية الثانية بثلاث سنوات، كتب الشاعر الروسي ميخائيل إيساكوفيسكي كلمات أغنية بسيطة لحّنها ماتفي بلنتر، عن فتاة اسمها «كاتيوشا» تقف على ضفة النهر وتغني لحبيبها الجندي المرابط بعيداً على الحدود .. احفظ الأرض، وانا أحفظ الحب. غنّتها مطربة مع فرقة جاز حكومية في موسكو، وصفق الناس ، وكان يمكن أن تُنسى كما تُنسى آلاف الأغاني.
ثم جاء صيف 1941، وزحف الجيش النازي حتى أطراف موسكو وستالينغراد.
استخدم ستالين مع جنوده كل الأساليب التي يعرفها رجل دكتاتوري مثله: أصدر أمره الشهير «ولا خطوة إلى الوراء»، ووضع خلف الصفوف فرقًا مهمتها إطلاق النار على من يتراجع. الخوف بأقسى صوره، والتهديد بالقتل لمن يفكر مجرد تفكير في النجاة بجلده.
لكن الخوف — وهذه ملاحظة تُغضب الطغاة — يملأ الخنادق لكن لا يحرسها. تستطيع أن تجبر رجلًا على البقاء في أرض المعركة، ولكن لا تستطيع أن تجبره على أن يريد البقاء حياً. هنا فعلت الأغنية القديمة ما عجزت عنه فرق الإعدام! وقفت طالبات المدارس في موسكو يودّعن القطارات المتجهة إلى الجبهة وهنّ يغنين كاتيوشا، فحملها الجنود معهم كما تُحمل صورة في جيب القميص. صار لكل جندي «كاتيوشته» التي تقف على ضفة النهر وتنتظر. وحين تسلّم الجيش الأحمر سلاحه الجديد المرعب — قاذفة الصواريخ التي كانت تمسح مواقع كاملة بضربة واحدة — لم يسمّها الجنود باسم قائد ولا وحش، بل سمّوها «كاتيوشا». أفتك أسلحة الحرب حمل اسم فتاة تنتظر حبيبها.
فكم أفنى الجنود أعمارهم وهم يرددون عبارات رنانة بالشعر والغناء!
لماذا تغني الجيوش؟
لأن الحرب تطلب من الإنسان أغلى ما عنده الا وهي حياته، والخوف لا يقنع أحدًا بدفع الثمن. الفن وحده يعرف الحيلة: أن يحوّل «الوطن» من فكرة باردة في الخطابات إلى وجه محدد — وقد يكون هذا الوجه الأرضَ نفسها، وقد يكون المحبوب بذاته، وغالبًا لا فرق. الجندي الذي يدافع عن الضفة التي وقفت عليها كاتيوشا لا يعرف بالضبط أيهما يحمي: النهر أم الفتاة. وهذا الالتباس ليس عيبًا في الأغنية! هو سرّ صنعتها.
الأغنية التي غنّاها العدوّان
وأحيانا تفلت الحيلة من يد أصحابها بطريقة لا يتوقعها أحد.
في الحرب العالمية الأولى كتب جندي ألماني اسمه هانس لايب قصيدة عن حارس ليلي يودّع حبيبته تحت مصباح بوابة الثكنة، وخلط في اسمها اسمي فتاتين كان مشغولًا بهما، فصارت «ليلي مارلين». بقيت القصيدة في الادراج أكثر من عشرين سنة قبل أن تتحول إلى أغنية ، وحين سجلتها مغنية اسمها لالي أندرسن سنة 1939 باعت الأسطوانة سبعمئة نسخة.
سبعمئة. فشل بكل المقاييس.
ثم في أغسطس 1941 بثّتها إذاعة بلغراد العسكرية الألمانية لتصل إلى قوات روميل في صحراء شمال أفريقيا ، وصارت تُبث كل ليلة في التاسعة وسبعٍ وخمسين دقيقة. أحبّها جنود روميل حتى صارت طقسًا. والمفاجأة أن الجيش البريطاني الثامن — عدوّهم المعسكر على بعد كيلومترات في الصحراء نفسها — كان يرفع صوت الراديو في الموعد نفسه، على المحطة نفسها، للأغنية الألمانية نفسها. جيشان يتقاتلان طوال النهار، فإذا جاء الليل اشتاقا معا للفتاة نفسها الواقفة تحت المصباح.
لم يعجب هذا وزير الدعاية! رأى في حزن الأغنية شيئًا يكسر الروح القتالية وضاق بها وبمغنّيتها. لكن الأغنية لم تعد ملكه ولا ملك أحد. سُئلت لالي أندرسن لاحقاً عن تفسير ما حدث فقالت: «هل تستطيع الريح أن تفسر لماذا صارت عاصفة؟»
الحنين، كما يظهر، لا يقرأ الخرائط ولا يحترم خطوط الجبهات.
قبل ذلك بأربعة عشر قرنًا
وحتى لا نظن أن هذه حيلة اخترعتها وزارات الدعاية الحديثة .. العرب سبقوا الجميع إليها، بلا وزارات واذاعات ودعاية.
عنترة بن شداد، في أشد لحظات الموت قرباً، والرماح تنهل من جسده، لم يستحضر قبيلته ولا مجده بل استحضر عبلة!
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها لمعتْ كبارقِ ثغركِ المتبسمِ
تأمل ما فعله هذا الرجل: حوّل السيوف التي تقتله إلى ابتسامة حبيبته ، فصار يشتهي تقبيلها. هذا هو المنطق نفسه الذي جعل جنود الجبهة الشرقية يسمّون راجمة الصواريخ باسم فتاة — لم يتغير شيء في الإنسان بين المعلقات وستالينغراد. وما الحداء ورجز الحرب الذي كانت تنشده الجيوش العربية إلا النسخة الجماعية من بيت عنترة — المقاتل يحتاج بيت شعر بقدر حاجته إلى سيف.
وحين يعصي الفنُّ أوامره
لو انتهت القصة هنا لكان الفن مجرد سلاح آخر في المستودع. لكنه ليس كذلك.
ليلة عيد الميلاد سنة 1914، في خنادق الجبهة الغربية، رفع الجنود الألمان فوانيس وأشجار ميلاد صغيرة وبدأوا يرتلون «ليلة صامتة». سكت الإنجليز في خنادقهم يستمعون، ثم ردوا بترنيمة من عندهم. ثم عبر صوت الأرض الحرام: «غدا انتم لا تطلقون، ونحن لا نطلق».
في الصباح خرج الأعداء من حفرهم والتقوا في المنتصف. تبادلوا السجائر والهدايا، دفنوا موتاهم معًا، التقطوا صورًا، ثم ظهرت كرة قدم من مكان ما.
كرة قدم. في وسط أعنف حرب عرفتها البشرية إلى ذلك اليوم.
جُن جنون القادة في الطرفين ، وحرصوا في الأعوام التالية على ألا يتكرر المشهد أبدًا. ومن وجهة نظرهم هم محقون، لأن الجنرالات يفهمون ما لا يقوله أحد بصوت عال: الجندي الذي سمع عدوه يغني أغنيته نفسها، سيصعب عليه غدا أن يراه مجرد هدف في المنظار.
وبين هذا وذاك كان الجنود الإيطاليون الهاربون إلى الجبال يودّعون حبيباتهم بأغنية «بيلا تشاو» — وداعًا أيتها الجميلة.
المثلث إذًا يكتمل على هذا النحو: الحرب تحتاج الفن لتمنح الموت معنى، والفن يحتاج الحب ليجد شيئًا يستحق الغناء، والحب يحتاج — ببساطة — أن ينجو منهما معًا.
والدول تعرف هذا أفضل منا. تعرف أن الخوف يمنع الجندي من الهرب لكنه لا يصنع منه مقاتلًا، وأن الأغنية تفعل. ولهذا لم يدخل جيش في التاريخ حربًا بلا موسيقى.
يبقى سؤال صغير يخصّنا نحن الذين لا نُساق صباحًا إلى جبهة حرب: ما زالت الأغاني تُدس في جيوبنا كل يوم — أناشيد وشعارات ملحّنة ومقاطع تلهب الحماسة. فالأغنية التي تحركك اليوم، من وضعها في جيبك؟ وإلى أي معركة يريدك أن تمشي وأنت مبتسم؟



هلا