هل فكرت بيوم بنفس السؤال اللي فكرت فيه انا .. « ليش حنا نحلم ؟» او هل خطر ببالك تعرف هل الحلم واقع نعيشه ام انه مجرد ذكريات مبعثرة بالدماغ؟ او حتى ان الواقع نفسه يكون مجرد حلم؟.
تفسير الإنسان القديم للأحلام
لطالما كانت نظرة البشر تجاه الأحلام منذ قديم الأزل نظرة مليئة بالشكوك والتفسيرات اللامنطقية، وذلك يعود لأن الانسان في ذلك الوقت لم يكن يحمل تصوراً واضحاً لماهية العالم من حوله. فكانت الأحلام تفسّر بأنها رسائل من خارج الكون كالنبوءات، او زيارات اموات سابقين. وهذا التفسير رغم بساطته الا انه احدث مجريات كبيرة في سير التاريخ البشري بل قد يكون احد تشكيل واقعنا الحالي. فمثلاً كان عند الفراعنة قديماً قبل اكثر من ثلاثة الاف سنة معابد ينامون فيها بغية الاستلهام والعلاج لقضاياهم وعرفت ايضا لاحقاً عند اليونانيين بمعابد الإله Serapis.
ولأننا ذكرنا ان التفسيرات قد غيرت بعض مجريات التاريخ فقد نعود بتراثنا لرؤيا يوسف عليه السلام عندما رأى ذلك الحلم بأن احد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، كانت تلك القصة اول ما دفع الإنسان للإيمان بأن الحلم — بصيغة الروئ — قد يعيد تشكيل الواقع في ذلك الحين؛ ويتّضح ذلك جلياّ في وصية اباه يعقوب عليه السلام حيث حذره بأن يقصص ذلك على اخوته كي لا يكيدوا له. ولعلم يعقوب عليه السلام بتأثير الأحلام على واقع الانسان فقد فهم من بُعد تخيلي « كواكب وشمس وقمر» تأثيراً على بُعد واقعي ويمثل ذلك حياتنا هنا.
كانت تلك الفكرة تدور بذهني اوقات طويلة ولكن تغير كل شيء بعد ان سألت عدة اسئلة لم اجد لها اجابات حاضرة وقتها ولكنها فتحت ابواباً كثيرة.
— عندما نقول ان الحلم يأثر على واقعنا بطريقة او بأخرى، فما تفسير من يحتلم احلاماً غير منطقية كاللذي يتحلم بأنه يسقط من مكان عالٍ، فما التأثير من ذلك؟
— هل يمكن للإنسان ان يحلم بشيء لم يره من قبل؟
— هل يمكن للأعمى ان يحلم بواقعنا كما نراه نحن؟
— هل يمكن ان تكون الأحلام اللامنطقية هي ذكريات من واقع مختلف تماما عن حياتنا قد عشناه في بُعد اخر؟
العلم الحديث وتفسيراته للإحلام
عدة تساؤلات قادتني الى كتابة هذه المقالة، وعند بحثي المتواضع وفضولي المعتاد بشتى انواع المواضيع وجدت التالي؛ تفسيرات الأحلام كانت محط شك عند العلماء الى وقت قريب، فكان اول تفسير علمي من عالم النفس فرويد 1899 ان الحلم هو تحقيق مقنّع لرغبات الانسان المكبوتة وقد سيطرت تلك النظرية لقرن كامل ثم انهارت علمياً ولكنها خلدت فكرة ان الحلم « يقول شيء عنك ».
حتى اتت نظرية Hobson و McCarley، 1977 فكانت ان جذع الدماغ يرسل اشارات عشوائية اثناء النوم فيقوم الدماغ بحياكة قصة سريعة مترامية الاطراف بشكل سريع — ولكن لماذا نحلم ونحن نائيمين فقط؟ لماذا لا يستطيع الانسان ان يرى ذلك جهارًا امامه اذا كانت فعلاً فكرة ان جذع الدماغ يرسل اشارات للدماغ نفسه؟ لأن ذلك سيكسر حاجز مهم الا وهو المنطق والعقلانية، فقد يصعب عند ذلك تصنيف الاشخاص بالجنون او العقلانية وتأكيد مدى دقة ذلك!. فالنوم يعتبر الوقت الانسب لأن يخوض فيه الانسان تلك التجربة الفريدة في رؤية قصص يصعب عليه تفسيرها بواقعه في معظم الاحيان.
او ربما ان الدماغ كان يحاول حمايتك في اكثر الاوقات اماناً حيث انه من المعروف ان الدماغ يفصل حركة العضلات لأجل عدم تمثيلها في حلمك حركياً. لذلك الاشخاص اللذين يصحَون قبل ان ينفك الشلل المؤقت يعيشون تجربة معروفة بإسم الجاثوم.
ولنعد لتساؤلنا الأولي ولكن بنظرة مختلفة؛ اذا كانت الاحلام تشكل واقعنا — فهل يمكن تشكيل الاحلام من الواقع ؟
تشكيل الأحلام من الواقع
في دراسة عام 2021، من مجلة Current Biology تمت على 36 شخص في 4 مختبرات مختلفة في انحاء اوروبا وامريكا — اتفقوا مع المتطوعين انهم راح يخوضون معهم نقاشات وهم غارقين بالنوم، بحيث ان ردود فعلهم ستكون بمثابة اتفاقات مسبقة بينهم — مثل ان تغمض مرتين اذا كذا .. حرك يدك اليمين اذا كذا — سألوا احد النائيمين « ثمانية ناقص ستة كم؟» ويقوم بالاجابة بحركتين بالعين « اثنين» .. صح!
العجيب ان الحالمين قاموا بشرح كيف وصلت لهم تلك الاسئلة في احلامهم وكانت اوصافهم غريبة «واحد سمعه من راديو سيارة في حلمه، والثاني شافه مكتوب على لوحة بالشارع». وبشكل طريف تذكرنا هالقصة بأحد اهم اعمال كرستفور نولان Incepetion فالفيلم لم يكن استناداً تخيلي كامل! بل ان نولان فهم ابعاد الأحلام والافكار للإنسان.
فكانت فكرة الفيلم هل من الممكن زرع فكرة في مخيلة شخص اثناء حلمه؟ او بعبارة اخرى هل من الممكن تشكيل الاحلام من الواقع؟. مشهد Cobb و Ariadne في المقهى كان من اهم المشاهد في الفيلم ففي تجربة تمت في 1958 من العالمان Dement و Wolpert قاموا برش النائيمين — الحالمين — بماء على وجوههم في مرحلة ماء من الحلم وعندما استيقظ المتطوعيين كان يتكلمون عن المطر، والسباحة او حتى اسقف يقطر منها الماء. فبذلك يمكن ادخال اي اداة لتشكيل الاحلام من الواقع .. فهل ذلك معقول؟
وهنا تأتي اهم المفارقات التي وجدتها اثناء بحثي، هل يمكن للأعمى ان يرى احلاماً تمثل الواقع الذي نراه؟. الجواب المختصر هو لا .. ولكن ذلك يعتمد هل كان مولوداً بذلك ام لا. لان الدماغ يعيد تشكيل ما قد لامسته من واقعك، ففي تجربة غريبة جدا على جيل — الابيض والاسود — وجودوا ان كبار السن اللي عاشوا كل طفولتهم بمشاهدة التلفاز باللونين الابيض والاسود يرون ايضاً احلامه بنفس الالوان؛ وذلك ايضا يضيف تساؤل جديد هل من الممكن الحلم بلون جديد؟.
انا هنا لا املك كل الاجابات اللتي تعتقدها عند قرأتك المقال، ولكني املك مفتاح لتلك التساؤلات التي قد تدور في بالك يوما ما. إذً نحن — او ربما انا فقط — نؤمن ان الواقع يأثر على الاحلام وان تشكيلها لا يمكن بدون الاستعانة بالمواد التي رأيتها او استشعرتها بأحد حواسك بالواقع. ولكن هل يمكن ان نسير بالاتجاه المعاكس؟.
تشكيل الواقع من الأحلام
ربما كانت المقدمة تشكل جزءً من فكرة تشكيل الواقع بواسطة الأحلام ولكن لنأخذها بالعالم الحديث اللذي نعيشه اليوم، ففي اغرب القصص وفي الثاني من أبريل عام 1921، كان عالم الأدوية أوتو لوفي (Otto Loewi) يصارع فكرة أرّقته لسنوات: هل تنتقل الإشارة العصبية إلى القلب عبر تيار كهربائي مجرد، أم عن طريق وسيط كيميائي؟ ورغم اقتناعه بالنظريات الكيميائية، إلا أنه عجز طويلاً عن تصميم تجربة قاطعة تثبت ذلك.
تجلّت اللحظة الفارقة في منامه؛ إذ استيقظ في منتصف الليل على إشراقة فكرية خاطفة، فدوّن ملاحظاتها على ورقة بجانب سريره وعاد إلى النوم مطمئناً. لكن الصدمة كانت في الصباح: اصبح ما كتبه في العتمة اشبه بالطلاسم غير قابلة للقراءة، وتلاشى تفصيل الحلم تماماً من ذاكرته، ليمضي يومه في توتر شديد.
وفي الليلة التالية، تكرر الحلم نفسه. هذه المرة لم يكرر لوفي الخطأ — قفز من سريره بسرعه وتوجه برداء نومه إلى المختبر ليعمل على التجربة قبل أن تختفي الفكرة من جديد.
أجرى لوفي تجربة اتسمت بالبساطة والعبقرية في آن واحد:
الخطوة الأولى: أخذ قلبَي ضفدع، وتحكّم بالأول عبر تحريض عصبه الحائر (Vagus nerve) كهربائياً، فتباطأ نبضه كما هو متوقع.
الخطوة الثانية: أخذ السائل المحيط بالقلب الأول ونقله إلى وعاء القلب الثاني—الذي لم يكن متصلاً بأي أعصاب.
النتيجة: تباطأت ضربات القلب الثاني فوراً بمجرد ملامسته للسائل، دون أي تحريض كهربائي مباشر.
اثبتت هذه النتيجة أن العصب أفرز مادة كيميائية في السائل هي التي أثرت في عضلة القلب. سمّى لوفي هذه المادة في البداية “Vagusstoff” (مادة العصب الحائر)، وتبيّن لاحقاً أنها الأسيتيل كولين—أول ناقل عصبي يُكتشف في تاريخ العلوم.
توج هذا الكشف العلمي حاسم الأثر بنيل أوتو لوفي جائزة نوبل في الطب عام 1936 مناصفة مع هنري ديل.
وفي زاوية اخرى كان من النادر بين الموسيقيين أن تجد بيانو يقبع بجوار السرير مباشرة، ولكن بول مكارتني كان يحتفظ بواحد هناك. في احد الليالي، استيقظ مكارتني ولم تكن في رأسه مجرد فكرة أو إيقاع عابر، بل كان اللحن مكتملاً اكتمالاً تاماً بكل تفاصيله. وصف تلك اللحظة حرفياً بأنه “تدحرج من السرير” ليتوجه مباشرة نحو مفاتيح البيانو ويعزف ما سمع في نومه.
خاف مكارتني أن تكون ذاكرته قد خانته، او أن يكون هذا اللحن مجرد اقتباس غير واعي لمقطوعة قديمة قد سمعها ونساها — وهي ظاهرة نفسية معروفة في الاوساط الفنية بـ “الذاكرة الخفية” (Cryptomnesia). ولتجنب الوقوع في هذا الفخ، وضع كلمات مؤقتة وسخيفة على النغمة كي لا ينسى الإيقاع، فبدأ بغنائها معبراً بـ “Scrambled Eggs” (بيض مقلي).
أمضى مكارتني قرابة شهر كامل يعرض اللحن على كل موسيقي يقابله ويسألهم بحذر“هل سمعتم هذه النغمة من قبل؟”—كمثل من يتوجه إلى مركز الشرطة ليُسلم أغراضاً مفقودة وينتظر إن كان هناك من سيطالب بها.
وعندما لم يتعرف عليها أحد، أدرك أن اللحن ملكه بالكامل!، ليتشكل من تلك الكلمات المؤقتة واحدة من أشهر الأغاني في تاريخ الموسيقى.
فبذلك يتّضح ان الاحلام تقوم ايضا بتشكيل واقعنا من خلال عدة إلهامات وومضات تجعل اعادة هيلكة تفسيرنا للواقع امر منطقي.
التشكيك بواقعية الواقع في منظور الفلاسفة
عدة تساؤلات قادتني إلى البحث في هذا الجانب المحير ولكن من منظور الفلاسفة، وجدت أن التشكيك في واقعية هذا العالم لم يكن وليد العلم الحديث أو أفلام هوليوود كـ Incepetion، بل كان أرقاً يؤرق الفلاسفة منذ عدة قرون فكيف نتيقن أن ما نعيشه الآن ليس مجرد حلم طويل وعميق؟
العالم أبو حامد الغزالي، عاش أزمة معرفية حادة تتبعها في كتابه «المنقذ من الضلال». بدأ بتفكيك ثقته بالحواس لأنها تخدعنا — فالظل نراه ثابتاً وهو يتحرك، والنجم نراه كالدرهم وهو أكبر من الأرض. ولما التمست نفسه الأمان في المنطق والعقل، صدمه خاطر غريب سمي لاحقاً بـ“حجة الحلم”. كان تساؤل الغزالي هو؛ «ألا ترى أنك تكون نائماً فتعتقد أحوالاً وتتيقنها تماماً، ثم تستيقظ لتكتشف أنه لم يكن لها أصل؟ فما الذي يضمن لك أن يقظتك الحالية ليست حشداً من الأحلام، وستستيقظ منها يوماً لتكتشف زيفها؟» رغم ان الغزالي لم يخرج من هذا الشك بتجربة علمية ولكن مجرد فتح ابواب التساؤل كان كفيل بإعادته لاحقاً ليقين تام في واقعية ومنطقية الواقع!
وبعده جاء الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت ليطرح التساؤل ذاته تقريباً في «تأملات في الفلسفة الأولى». كان ديكارت يجلس بجانب النار يكتب مؤلفاته، فخطر له — كم مرة حلمت أنني أجلس هنا أرتدي معطفي، ثم استيقظت لأجد نفسي تحت الأغطية؟ أدرك ديكارت حينها أنه لا توجد علامات حاسمة تتيح لك التمييز المطلق بين النوم والواقع في لحظتها! وتوسع في شكوكه حتى افترض وجود “شيطان خبيث” يخدع حواسه ويرسم له هذا العالم كسيناريو محبوك. ولكن بعد خوضه في فلسفة الحياة وجد ضالته عند عبارته الشهيرة “انا افكر اذن انا موجود” وهذا دليل على ان ربطه للتفكير المنطقي جعله يجزم بواقعية الواقع حيث ان الاحلام تخلو من التفكير داخلها او وضع المنطق في اساسها.
ويظل التساؤل — هل نحن بالفعل نعيش في حلم؟ عالم الأعصاب “رودولفو ليناس” يضع تعبيراً مذهلاً حين يقول إن «اليقظة هي مجرد حلم تُقيده الحواس». فالدماغ يعمل كجهاز محاكاة يولد العالم داخلياً طوال الوقت .. في النوم يعمل بمفرده دون مدخلات فينتج الأحلام الشاطحة، وفي اليقظة يعمل بنفس الآلية تماماً، لكنه يضبط القصة بناءً على ما تدفق له العين والأذن والجلد اي يصيغها بالمنطق العقلاني للإدراك.
وانا ايضا وجدت أن اتساق هذا العالم وقوانينه هو الفارق الوحيد الذي يجعلنا نطلق عليه اسم “الواقع”. ولكن، تظل الفكرة مرعبة ومثيرة في نفس الوقت: ماذا لو كنا بالفعل ننسج واقعنا بنفس طريقة حياكة الأحلام؟







مقال ممتع جدًا جدًا، فكرة الأحلام هو موضوع قابل للتوسع ويبقى على مر الزمن مليئ بالغموض، صياغة رائعة واستدلالات مفيدة. أود أن أقترح عليك مقال عن الأحلام في الإسلام والديانات أظنه سيكون مذهل