رجل من قش
كان النقاش في مجموعة العائلة والاقرباء يمشي هادئاً، إلى أن قلت جملة واحدة «اظن أن العيال يقضون وقتاً أطول من اللازم أمام الشاشات»
جاء الرد بعد ثانيتين «يعني تبينا نرجع نعيش في الخيام؟؟ نكسر الجوالات ونربّي غنم؟»
أنا لم أقل شيئا عن الخيام. ولا عن الغنم. قلت جملة صغيرة عن مقدار الوقت، فرجعت لي جملة اخرى أضخم وأسخف - منسوبة إليّ، ثم هُدمت أمامي في سطر واحد. وكأن أحدهم أخذ رأيي، صنع منه دمية، ضربها، ثم التفت إليّ ينتظر التصفيق.
الغريب أنني وقفت مكاني أدافع عن كلام لم أقله!. حاولت أن أشرح أنني لا أريد خياماً، وأنني ربما استخدم هاتفي أكثر منهم على الأرجح، وأني… ثم انتبهت. أنا الآن ألاحق دميتهم. تركت رأيي الأصلي وحيداً في العراء ورحت أحرس القش.
لهذه الدمية اسم قديم يسمى رجل القش.
ما هي؟.. باختصار
مغالطة رجل القش هي أن يحرّف الشخص كلام محاوره، فينسب له حججاً أهش مما قال ، ثم يرد على تلك الحجج ويعلن الانتصار.
الفكرة كلها تقوم على استبدال صامت .. أنت قلت «أ»، وأنا أرد على «أ الكبيرة المشوّهة». والمشكلة أن المتفرجين نادراً ما ينتبهون للاستبدال، لان النسخة المشوّهة عادة تكون أوضح وأسهل وأمتع من الاصل. الاصل معقّد ومشروط ومليء بالتحفظات اما الدمية مباشرة وفاضحة ويسهل كرهها.
وهنا الملاحظة التي أهم من التعريف: رجل القش ليس دائمًا خداعًا. أحيانًا يفعله الإنسان بحسن نية، لأن دماغه ببساطة لم يسمع الجملة كما قيلت، بل سمع أقرب جملة مألوفة له في ذاكرته. نحن لا نستمع للناس، نحن نصنّفهم. ومتى ما صنّفناه في خانة، أكملنا كلامه نيابة عنه.
فكر في الأمر: الاستماع الحقيقي مكلف. أن تمسك رأي شخص يخالفك، بكل شروطه وتحفظاته، وتحمله في رأسك دقيقة كاملة دون أن تشوّهه — هذا جهد ذهني وعاطفي معًا. أما أن تستبدله بنسخة كرتونية، فهذا مجاني وفوري ولذيذ. لهذا يزدهر رجل القش في الأماكن المزدحمة السريعة مثل التعليقات، والمقاطع القصيرة، والنقاشات التي فيها جمهور. المساحة الضيقة والوقت القصير لا يتّسعان لرأي مشروط، لكنهما يتّسعان لدمية.
من أين جاء الاسم؟
التسمية مأخوذة من الدمية المحشوّة بالقش — تلك التي تُنصب في المزارع لتخويف الطيور، أو تُستخدم في التدريب على الضرب. شيء له هيئة إنسان وليس إنسانًا. تسقطه بلكمة واحدة، ثم تشعر أنك ملاكم.
التعبير أقدم مما نتصور: «رجل من قش» ظهر في الإنجليزية بمعنى الخصم الوهمي منذ القرن السابع عشر، ووصف الفيلسوف إسحاق واتس هذه الممارسة في القارن السابع عشر، لكنه لم يدخل كتب المنطق كمغالطة معروفة بهذا الاسم إلا في منتصف القرن العشرين تقريبًا. أي أن البشر مارسوها لقرون قبل أن يجدوا لها اسماً. وهذا وحده يقول شيئاً عن طبيعتها.
ثلاثة وجوه للدمية نفسها!
في تويتر أحدهم يكتب «أعتقد أن هذا الفيلم مبالغ في تقديره» يأتي الرد «طبعاً ، انت من النوع اللي ما يعجبه شيء ويبي يبين انه مثقف ومحنك صح؟!». الفكرة اختفت، وحلّ محلّها شخص متخيَّل بنية متخيَلة.
في الإعلام والسياسة «فلان يريد أن يفتح الباب على مصراعيه» — وهو لم يطلب إلا تعديل بند واحد. أو تُنقل جملة من سياقها الأصلي فتصبح، بحذف ما قبلها وما بعدها، كلامًا شنيعًا. هذا رجل قش يُصنع بالمقص لا بالكلمات.
في البيت والعمل «ليتنا نستعجل شوي متأخرين» .. «يعني أنا السبب دايمًا؟» هنا لا يكون رجل القش حيلة جدلية بقدر ما يكون درعاً عاطفياً ، نحول الملاحظة الصغيرة إلى اتهام كبير، لأن الرد على الاتهام الكبير أسهل من مواجهة الملاحظة الصغيرة.
النسخة الأخبث .. رجل بلا صاحب
هناك تطوّر لهذه المغالطة يستحق اسمًا خاصًا: أن تبني الدمية دون أن يكون لها صاحب أصلًا.
تعرفها من صيغتها: «في ناس يقولون…»، «صار فيه اتجاه اليوم يدعو إلى…»، «الجيل الجديد يظن أن…». من هم؟ لا أحد. أو بالأحرى: أضعف ثلاثة أشخاص قالوا شيئًا مشابهًا في زاوية مظلمة من الإنترنت، ثم رُقّوا فجأة إلى ناطقين رسميين باسم فئة كاملة.
هذا الأسلوب — انتقاء أسوأ ما قاله أضعف واحد في الطرف الآخر ثم تقديمه كأنه رأي الجميع — قد يكون أكثر ما يُفسد النقاش العام اليوم، لأنه يحوّل الخلاف بين فكرتين إلى معركة بين كاريكاتيرين.
ماذا تفعل حين تُصنع منك دمية؟
ثلاثة أشياء تعلمتها على حسابي:
الأولى ، لا تدافع عن الدمية. أول ردة فعل طبيعية هي أن تنفي ما نُسب إليك بالتفصيل ، وهذه بالضبط الحفرة! أنت بذلك قبلت أن يكون الحديث عن كلامه لا عن كلامك ، الافضل جملة واحدة هادئة «هذا ليس ما قلته. ما قلته هو كذا. هل عندك اعتراض عليه؟» ثم اصمت.
الثانية ، أعد صياغة كلامه قبل الرد عليه. «إذًا أنت تقول إن… صح؟» جملة ثقيلة على النفس، وسحرية في أثرها. إن كنت أخطأت صحّح لك، وإن كنت أصبت فقد نزعت من يده حق الإنكار لاحقًا. والأهم أنك أجبرت نفسك على سماعه.
الثالثة ، وهو الاصعب: اصنع له رجلًا من فولاذ. أن تأخذ رأي خصمك في أقوى صورة ممكنة حتى أقوى مما قدّمه هو — ثم ترد عليه يسمّونها «الرجل الفولاذي» أو مبدأ الاحسان في التأويل. الثمن أنك ستخسر بعض النقاشات التي كنت ستكسبها بالحيلة. والمكسب أنك ستعرف، لأول مرة، إن كان رأيك صحيحًا فعلا أم أنه كان يعيش طوال الوقت على ضعف خصومه.
طبعاً بيجوني البنات ويقولون ليش رجل قش؟ ليش رجل فولاذي؟ ليش مب بنت مثلاً — ونرجع لمكاننا الاول ههههههههه.
او ربما انني اختلقت ردهم الان وطحت بالمغالطة وصنعت دمية القش بناء على افكاري؟
عن الكتاب الذي سمّى الدمية
وحين بحثت في العربية عن مرجع يجمع هذا الكلام ، وصلت إلى كتاب اختار الاسم نفسه عنواناً له «رجل القش: الدليل المختصر للمغالطات المنطقية والانحيازات الإدراكية» ليوسف صامت بوحايك، الصادر عن دار الشفق في نحو 409 صفحات تقريباً.
كان اختيار العنوان ذكي. من بين عشرات المغالطات ، وضع المؤلف هذه في الواجهة، وهو محق! إن لم تعرف إلا واحدة، فلتكن هذه.
بنية الكتاب بسيطة وواضحة .. مقدمة يسمّيها «مدخلًا إلى المنطق اللاصوري» أي المنطق كما يُمارس في الجدل الحي لا كما يُدرس في الجداول الصورية ثم قسم للمغالطات مرتّبة بحسب شيوعها، ثم قسم للانحيازات الادراكية. والتقسيم الأخير هو أذكى ما فيه في رأيي ، لأنه يربط بين شيئين يُدرسان عادةً منفصلين .. المغالطة خلل في ما تقوله ، والانحياز خلل في ما تراه. وغالبا الثاني هو الذي يولّد الاول.
تعريفه لمغالطتنا مختصر ودقيق فهو أن يحرّف الشخص كلام مناقشه وينسب له حججاً أخرى هشّة واضحة الضعف، ثم يرد على الكلام الذي نسبه هو نفسه إليه. وينبه الكاتب — وهذه لفتة مهمة — إلى أنها قد تقع من غير قصد.
ما أعجبني فيه أنه يكتب بالعربية لقارئ عربي، بأمثلة من نقاشاتنا نحن لا مترجمة عن جدالات امريكية عن الضرائب والانتخابات. وهذه ليست تفصيلة شكلية المغالطة تُلتقط بالسياق ، ومثال لا تعرف ملابساته لا يعلمك شيئاً. واسلوبه في التبسيط رحيم بالمبتدئ، وهذا نادر في كتب المنطق العربية التي تميل إلى إرهاب القارئ بالمصطلحات الغربية.
وما أتحفظ عليه أنه كتاب يُراجَع أكثر مما يُقرأ. قرابة الـ 400 صفحة من التعريفات المرقمة تجعله اقرب إلى معجم منه إلى كتاب تجلس معه من أوله إلى آخره .. وقراءته دفعة واحدة تُنتج تخمة وليس مهارة. ثم إن أمثلته أحياناً نظيفة أكثر من اللازم! الحوار فيها بين «س» و«ع» يقع في المغالطة بوضوح فاضح ، بينما رجل القش في الواقع يأتي ملتبساً، ممزوجاً بنصف حقيقة، وانت نفسك لا تجزم إن كان محاورك يحرّف كلامك أم أنك انت من عبّر بشكل رديء.
وهناك خطر أكبر، والإنصاف أن الكتاب نفسه يتنبه له ويفرد له مدخلًا باسم «مغالطة المغالطة» وهي أن يخرج القارئ من هذه الكتب صيّاد مغالطات ، يلوّح باسم المغالطة كأنها ورقة حمراء ، فيتحوّل التصنيف نفسه إلى سلاح لإسكات الناس بدل فهمهم. أن تقول لمحاورك «هذه مغالطة رجل قش» ليس رداً! إنها بداية الرد ، وعليك بعدها أن تقول ما قلته فعلاً.
خلاصتي .. اشتريه، وضعه قريباً، وارجع إليه مدخلاً مدخلاً. لكن لا تتوقع أن يجعلك أوضح تفكيرًا لمجرد أنك قرأته. الكتب من هذا النوع لا تعلّمك أن تفكّر جيدًا. هي فقط تعطيك أسماء لأخطائك — والأسماء تنفع كثيرًا حين تصير قادرًا على قولها لنفسك أولا.
وهذا في الحقيقة اصعب إمتحان في الموضوع كله. سهل جداً أن تكتشف رجل القش حين يُصنع منك. لكن متى كانت آخر مرة انتبهت أنك أنت من كان يحشو القش؟



