بعد عودتي من رحلة باريس قبل عدة سنوات، خرجت لأحد المطاعم لتناول الغداء مع احد الاصدقاء ولكي ايضاً احدثه عما شهدته في اجازتي من احداث وقصص هناك، اخذنا نتناول اطراف الحديث بكل حماسة وشغف كون ان السفر يندرج تحت اهم اهتمامتنا في ذلك الحين، فقمت بوصف تلك المدينة له وجمالية تصاميمها وروح شوارعها وكثرة تماثيلها، متحف اللوفر ولوحاته العجيبة وذكرت له ايضاً انني كنت متعجباً من دقة اختيار الالوان في لوحات الفنانيين، حيث ان بذلك الزمن لم تكن التنقية متوفرة لكي تعكس صورة واضحة عما تحاول رسمه انذاك. خضنا احاديث عدة معظمها كان فقط “سواليف” لأجل الاستمتاع.
خرجت من المطعم مودعاً صديقي ومتجهاً لسيارتي، حيث ركنتها بعيداً نظراً لازدحام الشوارع، فقررت ان اسير بنظري كيف استطيع تحديد اين تقف سيارتي بالضبط في الصف الطويل من السيارات. كانت سيارتي رمادية اللون فكنت ابحث عن ظلها بنظري من بعيد حتى صعقني ادراك معين!
مهلاً 80% من السيارات الواقفة بين سيارتي وبيني تحمل الوان باهتة متشابهة، رمادي، ابيض، اسود. تكرار باهت واضح وصارخ للنفس عندما تدركه. وخطر ببالي انني كنت امازح صديقي سابقاً بأننا نحمل روحاً وحياتاً بداخلنا اكثر من الغرب.
فنحن العرب محبي ايضاً للفن والشعر والحياة والالوان ولكن مهلاً لا يبدو ذلك جلياً امامي، اين اختفت الالوان!!
عدت للمنزل حاملاً الإدراك ذلك على عاتقي، عندما قررت النزول من السيارة والإتجاه لمنزلي شحت بالنظر الى البيوت المجاورة لنا، ووجدتها متاشبهة الالوان لحد كبير؛ ابيض، رمادي، ابيض، بيج او ترابي، ابيض!. دخلت الى المنزل وذهبت الى غرفتي ووجدت ايضا انني صممتها بحد كبير الى اللون الرمادي!.
وعندها .. قررت البحث في ذلك.
— اين اختفت الالوان ؟
— الم نكن نحزن على جيل الأبيض والأسود لأنهم لم يعرفوا لذة الالوان في صورهم؟
— الم يعد احد متميزاً كل الالوان متشابهة؟
— متى بدأت ثورة الالوان بالذبول دون ان نشعر؟
تساؤلات عديدة قادتني لكتابة المقالة، فها انا الان جالس في مكتبي امام جهاز الكمبيوتر وامامي شاشة الـ OLED اكتب لكم المقالة حتى اتاني تساؤل يتناقض مع اختياراتي. تذكرت اني عندما كنت ابحث عن شاشة للجهاز كنت متردداً بين نوعين من انواع الـ OLED وللتوضيح فقط « شاشة الـOLED ما فيها إضاءة خلفية مثل الشاشات العادية، كل نقطة فيها تولّد ضوءها بنفسها وتنطفئ تماماً عشان تعطيك أسوداً حقيقياً، ولهذا اللون يطلع منها بتشبّع وتباين ما تقدر عليه شمس الغروب نفسها — يعني الغروب على شاشتك فعلاً أزهى من الغروب من نافذتك، وهذي مو مبالغة شاعرية بل مواصفة تقنية مكتوبة في كتالوج الجهاز نفسه » وكانت حيرتي التي استمرت لاسابيع بسبب ان نوعاً منها كانت دقة الالوان فيه افضل من الاخرى بتفاصيل بسيطة، بينما الاخرى تحمل تردد سريعاً في ايطار الصور لانني مهتم ايضا بـ العاب الفيديو.
اسبوعين من البحث لاجل دقة الالوان وغرفتي كانت عبارة عن لونين فقط! رمادي وابيض!. هل اختزلنا جمالية الالوان في شاشاتنا؟ لماذا كانت ميزة الفلاتر ناجحة جداً في الصور الالكترونية هل لانها كانت تضيف الواناً لواقعنا الباهت؟
عبدالله يقدم اتهام حضاري وانتم هيئة المحلفون
نعم كما تقرأ عزيزي القارىء، قررت رفع اتهام حضاري وانتم هنا الحكم. فأنا بصريح العبارة اتهم التقدم الحضاري لأنه سرق الواننا بمفهوم “المينيماليزم” وهو تيار بدأ في الفن والعمارة منتصف القرن العشرين وقام على قاعدة واحدة: احذف كل ما ليس ضرورياً، وخلّ الشكل يشتغل بأقل عدد ممكن من العناصر — خطوط مستقيمة، مساحات فاضية، وألوان محايدة — ثم خرج من المعارض والمباني وتحوّل بعد ٢٠١٠ إلى أسلوب حياة كامل يُباع لك في هاتفك وبيتك وخزانة ملابسك.
ولكن لماذا كان علينا قبول ذلك؟ السبب يعود لأن خطوط الإنتاج والمصانع تستطيع ان تركز على الوان محددة افضل لها من عدة الوان ترهق القوة التشغيلية لديهم. ولكن عزيزي القارىء ذلك سبب يمكن مجابهته بكثرة الطلب ولكن العالم قرر ان يتخلى عنها لماذا؟ للأسف انني توصلت للإستنتاج الحالي « أصبحت قيمة الالوان رخيصة » ولدعم استنتاجي اليك القصة التالية.
اليوم الذي اصبح اللون فيه رخيصاً
طيب خلينا نرجع خطوة لوراء، لأن القصة ما بدأت بالرمادي ولا بالمينيماليزم ولا بأي شي من هذا القبيل. لآلاف السنين كان اللون امتيازاً طبقياً بالمعنى الحرفي للكلمة، لم يكن ذوق ولا تفضيل شخصي. الأرجوان الصوري اللي كان يلبسه القياصرة كان يُستخرج من محار البحر المتوسط بعملية صعبة وشاقة وكريهة الرائحة، مئات ان لم يكن الاف الأصداف مقابل قطرات معدودة، حتى كاد النوع نفسه ينقرض من كثر ما استُنزف، والقانون في روما وبيزنطة في ذلك الوقت كان يمنع لبسه على غير الإمبراطور. يعني اللون ما كان يشترى اصلاً، كان يُورَّث للحكام مع العرش. وحتى في القرن التاسع عشر، البديل الرخيص اللي وصل للناس العاديين كان صبغة تُستخرج من فضلات الطيور، وتبهت وتختفي خلال أسابيع بسبب هواء المدن الصناعية المليء بثاني اكيسد الكربون والمخلفات.
وفي سنة ١٨٥٦، كان هنالك ولد عمره ثمانية عشر سنة اسمه William Perkin قاعد يحاول يصنّع الكينين في مختبر بيتهم، وفشل؛ الشي اللي طلع له كان صبغة بنفسجية من قطران الفحم — والقطران هذا يعتبر نفاية، الشي اللي كانت المصانع ترميه ولا تستفيد منه — وسماها mauve لون الموڤ المعروف حالياً. صمدت الصبغة أمام الشمس والصابون والهواء، وتكلفتها تقريباً لا شي!.
وخلال عشر سنوات انفجرت الأصباغ الصناعية وراها، magenta وaniline blue وغيرها، وصار اللون اللي كان فقط حكراً على الأباطرة موجود حتى في فستان بنت تشتغل في مصنع نسيج في مانشستر.
وهنا لازم نتوقف عند الحجم الحقيقي لهالشيء، لأننا نمر عليه بسرعة — البشرية قضت ثلاثة آلاف سنة تقاتل عشان تنتزع اللون من احتكار الطبقة. وقد انتصرت فعلاً، بسبب ضربة حظ من ولد فاشل في تجربته. ثم بعد أقل من قرن ونصف، رمت الغنيمة وهي كاملة في يدها، وقالت خلنا نرجع للرمادي والبيج!.
وهذا الامر لم يكن اكتشافي بل كتب عنه هكسلي سنة ١٩٥٦، يعني بعد مئة سنة بالضبط من صبغة Perkin، كتب Aldous Huxley في كتابه Heaven and Hell ملاحظة كأنه يكتبها لنا اليوم. يقول إن الناس في القرون السابقة كانوا يعيشون بين التراب وجدران الطين والثياب المهترئة بألوانها المتّسخة، ولهذا كان عندهم عطش كبير للون الصافي، وكانت رؤية الأرجوان في كنيسة أو الذهب في بلاط ملك تجربة تكاد تكون دينية او ملكية، شي يخطف العقل من مكانه ويجلب السعادة للنفس. ثم جاءت الصناعة الحديثة وأغرقتهم في اللون، ألوان بالكيلومتر المربع من ورق جدران وإعلانات وعلب مشروبات، وهنا يقول جملته: الألفة تُنجب اللامبالاة. ويعطي مثالاً أدق من أي كلام نظري — إضاءة المدينة كانت زمان حدثاً نادراً يُخصَّص لتتويج ملك أو انتصار في حرب أو تقديس قديس، واليوم تحصل كل ليلة لأتفه المناسبات الاجتماعية كإعلان لمعجون اسنان.
والمعنى اللي يهمنا: نحن ما فقدنا الألوان، إحنا أغرقناها. رخّصناها حتى ما عادت تعني شي، والرمادي اللي نتهمه اليوم مو هو الجاني، هو ما تبقى بعد التخمة.
حبس الالوان في صناديق الشاشات
احد اعجب المفارقات التي توصلت لها بعد خوضي في هذا الموضوع ان الانسان كان يزهو بالالوان في واقعه وكان التلفاز ابيضاً واسوداً، والان اصبح الانسان يزهو بالالوان بالتلفاز واصبح الواقع ابيضاً واسوداً.
لم يكن السبب ان الانسان ملّ من اللون الرمادي عشان يرجع للألوان، بل ملّ من الألوان نفسها فأتجه للرمادي — او كما اعتقد—. فالشخص اللي كان يشوف الموڤ مرة وحدة في عمره، في كنيسة أو في موكب ملك او حدث ترسيم، كان اللون يهزّه من جذوره ويظل يتذكره سنين. الان يشوف اضعافه في شاشة الجوال وفلاتر السناب وصور الانستقرام، وحتى الافلام والمسلسلات داخل التلفاز.
عدة مقالات كتبتها سابقة تخص فلسفة وترجمة الانسان لواقعه ولكن عشان اكون صريح اكتشفت ان الانسان يألف تغيير الحال، يحب الشيء النادر، يثير فضوله اللون الجديد، نوع موسيقى جديد، تصميم مبنى جديد؛ حتى يتخلى عن السبب الاساسي في اختراعه او فهمه للأصل. تخيل معي الفرق بين كبير السن والصغير تجاه تطور الاشياء. فكبير السن قد يكون منبهراً جداً بكيفية ان يستطيع قط في برنامج معين تكرير كلامه بصورة ساخرة، بينما الصغير الان يألف هذا الامر بل يبدأ بالملل منه وان فيه برامج اجمل والعاب افضل من تلك اللعبة البسيطة.
حقائق محزنة او ربما ..
وعشان ما يكون الكلام كله فلسفة، خل نمشي على الأرقام. شركة Axalta تطلع كل سنة تقريراً عن ألوان السيارات في العالم، وتقرير ٢٠٢٥ يقول: أبيض ٢٩٪، أسود ٢٣٪، رمادي ٢٢٪. يعني ثلاثة أرباع سيارات الكوكب بلا لون، وإذا ضفت الفضي ٧٪ تصير ٨١٪، وأقوى لون حقيقي في العالم كله هو الأزرق بستة بالمية فقط. والانهيار له تاريخ محدد مو ضبابي — مدير الطلاءات في شركة PPG يقول إن التحول للمحايد بدأ سنة ١٩٩٩، ومن يومها والأخضر ينكمش سنة بعد سنة إلى أن اختفى. وفي متحف العلوم في لندن، باحثة اسمها Cath Sleeman مررت آلاف صور مقتنيات المتحف على تحليل حاسوبي عبر قرنين كاملين، والنتيجة كانت ارتفاعاً كبيراً في الرمادي وسقوطاً متوازياً للبني والأصفر — وهي نفسها تنبه إن مجموعة المتحف ما هي عينة عشوائية، وهذي أمانة منها لازم نذكرها.
لكن أوضح دليل شفته ما هو أرقام أصلاً، هو صورة وحدة. شركة Sherwin-Williams طلعت جدولاً بألوان الطلاء الأكثر شعبية في كل عقد من العشرينات إلى اليوم. في العشرينات في أحمر آجُري وأخضر غامق، وفي الستينات في أصفر صارخ وبرتقالي وبنفسجي، وفي السبعينات في تراكوتا وزيتوني. ثم من التسعينات وطالع تبدأ الصفوف تفقد قدرتها على أن تكون مختلفة. وإذا وصلت للصف الأخير المكتوب عليه Current، بتحتاج تقرّب عينك من الشاشة عشان تفرّق بين الخمس مربعات، لأنها ما هي خمسة ألوان، هي لون واحد مكرر خمس مرات باختلافات ما تشوفها إلا بجهاز.
وآخر مفارقة مضحكة ومحزنة في نفس الوقت: شركة Porsche اليوم تبيعك لوناً مخصصاً لسيارتك بمبلغ يتراوح بين أحد عشر ألف وثلاثين ألف دولار. يعني بعد كل هالطريق، رجع اللون امتيازاً يُشترى بثمن، تماماً مثل ما كان أرجوان القياصرة.
وفي نهاية المقالة عطوني اراءكم يا هيئة المحلفين، هل اختفت الالوان فعلاً؟ ولماذا؟ وهل التقدم الحضاري كان سبباً في ذلك ام نحن اللذين مللنا الالوان نفسها؟








أعتقد أن التشبع من الألوان هو اللي خلق اللامبالاة الآن والميول للألوان المحايدة والمكررة، مثل ما قلت قبل كان اللون ميزة وتجربة استثنائية بالكنائس والمباني المهمة وأزياء الملوك وكبار الشخصيات، بينما بعدها تشبّعنا بالألوان بالملابس والألعاب والشاشات وأصبح البشر يميلون للمحايدة والتكرار. ربما الرأسمالية لها دور لأنها أولت اهتمام بالوظيفة والأموال والاقتصاد أكثر من التميز والهوية والتفاؤل اللي تعكسه الألوان، حتى الملابس الرسمية الآن اللي يلبسها كبار الشخصيات والوزراء والرؤساء ألوانها محايدة: كحلية، رمادية، سوداء كدلالة رسمية على التوجه الموضوعي والمهني، بينما الألوان تعكس الذوق الشخصي وهوية المرء وهو شيء حقيقةً غير مرغوب فيه في القرن الحديث.