قد يبدو الفيلم على السطح كقصة رومانسية بسيطة تدور في قرية توسكانية إيطالية مشمسة، لكنه في جوهره واحد من أكثر أفلام العقود الأخيرة كثافةً فلسفية، إذ يحوّل نزهة نهارية بين رجل وامرأة إلى تأمل عميق في الأصالة والتقليد، والحب والزواج، والحقيقة والتمثيل.
"اترك الاصل، وخذ لك نسخة مقلدة"
هكذا بدأ الرائع عباس كياروستامي بإفتتاح اولى لحظات هذه التحفة الفنية، ولاني لست خبير سينمائي ( ولا حتى نص ) بتكلم فقط عن الفكرة الرائعة اللي قدمها هذا العمل الفني لمفهوم الفن عندي.
النسخة الاصلية:
مفهوم الاصل ( original ) دائما يرتبط بتفرد شيء بقيمة معينة وضعت له لـ تجعله حقيقي، موثوق، اصيل، لكن وش الاصل في الاشياء غير انها استنساخ لاشياء اخرى وجدت بالواقع الذي نعيش فيه — لا يوجد تفرد مطلق الا في القيمة اللتي وضِعت لها ولكن هل فعلا لا تعتبر الاصل نسخة ( من الواقع ) ؟
لا يقتصر سؤالي على اللوحات المرسومة ولا على التحف المنحوتة، اقصد هنا بكل عمل فني ادبي او حتى موسيقي، يأخذنا الرهيب عباس لمشهد علق في ذهني واحدث مجموعة تساؤلات كان اولها — هل الاعمال المنسوخة لها قيمة ؟ ام هناك فئة تضع قيم معينة للاعمال الفنية وتجعل معظم الناس يتعلقون بمفهومها؟
وكما بالمشهدين السابقين نرى قصة بتشبيه رائع جداً فأخت جولييت بينوتش تزوجت بشخص بسيط جدا يتلعثم ولكن بالنسبة لها هو الرجل المثالي (الاصل) في نظرها، فـ المقطع التالي يأتي الذكر بزجاجة جاسبر جونز الكوكاكولا وهي مفارقة عجيبة حيث ان الفنان جاسبر جسد عمل فني عبارة عن زجاجة كوكاكولا وهو امر لا يستدعي الذهول والقيمة فالزجاجات بكل مكان ولكن لانه (جاسبر جونز) فقد اصبحت عملاً فنياً. وهنا يأتي السؤال المهم الذي طرحناه سابقة هل القيمة بالأعمال نفسها ام ان الناس تضع القيمة للأعمال؟ اذا كان جوابك الثاني فـ زوج ماري هو عمل فني عظيم حيث ان نظرتها له غيرت قيمته الحقيقية من كونه متلعثماً الى رجل مثالي.
كل الاعمال الفنية لم تتفرد بشيء اصيل، وفكرة النسخة والاستنساخ هي مفهوم اخر للفن حيث انه يستنسخ الصور والمفاهيم والمشاعر من الواقع ليجعل رسالته تعبُر رحلته الزمنية في هالدنيا بل وحتى بقعته الجغرافية — ولا تجد قيمة واقبال حقيقي الا ممن خاضوا نفس التجربة. فهو بصورة اخرى افضل طريقة تعبيرية لنقل التجارب عن طريق اُناس اوصلت هالمفهوم بشكل مقبول — فما الفرق بين لوحة رسُمت لامرأة حقيقة ؟ ثم اُعيد رسمها ( نسخة ) ؟ اليست الاصلية هي الحقيقية من الواقع ؟ وليست اللوحة الاولى ؟
أوضح تجسيد لهذه الفكرة في الفيلم لوحة «موزا بوليمنيا» التي يزورها الثنائي في متحف لوتشينيانو. تروي «جولييت بينوتش» لجيمس أن الناس ظنوا اللوحة قرونًا عملًا أصليًا، قبل أن يُكتشف أنها نسخة أتقنها مزوّر من نابولي — ومع ذلك احتفظ بها المتحف وعاملها معاملة الأصل. والمفارقة الأعمق أن هذه القصة كلها من اختراع المخرج كياروستامي. فاللوحة الحقيقية موجودة في مدينة كورتونا، ولا وجود لأي «أصل» لها في المكان الذي يدّعيه دليل المتحف. فهنا المخرج يصنع داخل فيلمه نسخةً عن أصل متخيَّل، فيورّطنا نحن المشاهدين في اللعبة ذاتها التي يناقشها الفيلم.
الأصل والنسخة: من أفلاطون إلى دولوز
الأساس الفلسفي للفيلم قدم الفلسفة نفسها. عند أفلاطون، العالم مرتّب هرميًا: المُثُل في القمة، ثم الأشياء المادية كنسخ عنها، ثم الفن كنسخة من النسخة — ولهذا احتقر أفلاطون الفنون المحاكية. الأصل عنده أسمى دائمًا من النسخة.
لكن الباحثة زينا يانوبولو، في دراسة منشورة في مجلة Offscreen، ترى أن الفيلم يقلب هذه الهرمية الأفلاطونية رأسًا على عقب، مستعينة بمفهوم «السيمولاكر» (Simulacrum) عند الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز: النسخة التي فقدت صلتها بأي أصل، فصارت قائمة بذاتها — نسخة بلا نموذج. هذه النسخة المتحررة لا تعود «زائفة» لأنه لم يعد ثمة أصل نقيسها عليه بل تكتسب قوتها الخاصة وحقيقتها الخاصة.
يذهب جيمس في الفيلم أبعد من ذلك حين يجادل بأن اللوحة الأصلية نفسها ليست سوى نسخة عن جمال الفتاة التي رسمتها، وأن الموناليزا الشهيرة مجرد «استنساخ» لوجه لا جيوكوندا — بل إن ابتسامتها ربما لم تكن أصلية أصلًا، بل ابتسامة مصطنعة طلبها ليوناردو دافنشي. وهكذا تنهار سلسلة الأصول حلقة بعد حلقة، ولا يبقى أمامنا سوى نسخ تحيل إلى نسخ.
الزواج بوصفه نسخة
عبقرية الفيلم أنه لا يترك هذا الجدل حبيس قاعات الفن، بل يسقطه على العلاقة الإنسانية نفسها. فمقالة مجلة Senses of Cinema ترى أن الفيلم ينقل سؤال الأصالة والاستنساخ من الفن إلى العلاقات البشرية. ماذا يبقى من «أصل» الحب بعد خمسة عشر عامًا من الزواج؟ هل الزوجان اليوم نسخة باهتة عن الحبيبين اللذين كانا؟ وهل من العقلانية أصلًا أن نطالب الحب بالبقاء «طبق الأصل» عبر الزمن، أم أن هذا حنين لا عقلاني إلى أصل لم يعد موجودًا؟
شخصية «جوليت بينوتش» تمثل الموقف الأفلاطوني — تتمسك بالأصل، تريد استعادة زواجها «الأصلي» السعيد، وتلوم الرجل على غيابه وتغيّره. أما جيمس فيمثل الموقف المضاد: القيمة ليست في الشيء بل في نظرتنا إليه، والتغيّر قانون كوني لا تصمد أمامه الوعود. وفي واحد من أجمل مشاهد الفيلم يستشهد بقصيدة فارسية عن «حديقة التجرد من الأوراق»: الشجرة تفقد زهرها ثم ثمرها ثم أوراقها — «فمن يجرؤ على القول إنها ليست جميلة؟». حتى الذبول، حتى ما تبقى بعد ذهاب «الأصل»، يمكن أن يكون جميلًا.
لماذا يستحق الفيلم المشاهدة اليوم؟
في زمن الصور المولّدة والنسخ الرقمية اللانهائية، يبدو سؤال كياروستامي أكثر راهنية من أي وقت مضى: إذا كانت النسخة قادرة على منحنا التجربة الجمالية والعاطفية ذاتها، فما الذي يجعل الأصل أثمن؟ الفيلم لا يجيب وهذه فضيلته الكبرى. إنه، كما لخّصت مراجعات سابقة، فيلم مليء بالأسئلة شحيح بالأجوبة، يعاملنا كشركاء في التفكير لا كمتلقّين سلبيين.
وربما كانت الإجابة الوحيدة التي يهمس بها الفيلم: أن قيمة الأشياء — لوحة كانت أم زواجًا أم حياة — لا تكمن فيها ذاتها، بل في الوعي والعناية اللذين ننظر بهما إليها. النظرة هي التي تصنع الأصل.


