ليش فيلم Arrival 2016 يعتبر من افضل افلام الخيال العلمي التي ناقشت وجود الفضائيين ؟.
(للي ما شاف الفيلم بيكون تحليل فيه حرق عن بعض الأحداث)
قبل ادخل في المقالة، التي قد تبدو في ظاهرها كتحليل للفيلم ولكن في عمقها واخرها تطرح تساؤلات فلسفية عميقة، لذلك جاوب على هالسؤالين قبل تبدأ المقالة
فكرة وجود الفضائيين في معظمها انطلقت من هاجس فانتازي لإشباع رغبات فضولية للجنس البشري، وما نختلف ان العلم التجريبي المادي قاعد يناقشها فعلياً بالبحث عن بيئة خارجية صالحة للعيش، لكن بالفن والسينما تحديدًا الفكرة انطلقت من باب إشباع الفضول ولا ما كان شفنا افلام مثل Star Wars و War of the worlds تحقق نجاحات وتنتج سلاسل غير منتهية حتى الى وقتنا هذا ، لكن يأتي فيلم Arrival ويسبب صدمة كبيرة لشخص مثلي ما تابع افلام Star Wars لانه غير مهتم بالدرجة الاولى بهالنوع من الافلام.
وش اللي كان مختلف بفيلم Arrival ؟
لطالما كانت نظرتنا وانتاجنا للفن نابع من واقعنا بطريقة او بأخرى .. لكذا نشوف ان كل الافلام اللي ناقشت وجود الفضائيين بدأتها بالحرب والدمار ومحاولة السيطرة، اللي اصلا نابع من واقع البشر نفسهم وطريقة تعاملهم مع وجودهم هنا بالأرض، ما عندي مشكلة ان منطلق فكرة الحرب تكون نابعة من ذات الجنس البشري تجاه اي مخلوق خارجي غريب لان هذا يجسد الحقيقة، لكن على اي مستند واساس وضعت نظرة ان الفضائي يمتلك نفس تصوراتك الواقعية؟ وجاي يشن حرب ويحاول يسيطر؟ وحنا ما نملك اي دلائل عن طبيعة واقعهم الي بالضرورة مب شرط يكون مثلنا، هنا المحور الاساسي اللي ارتكز عليه الفيلم، لحظة وصول الفضائيين وخصوصا بهالفيلم بعد ما نزلوا ب ١٢ موقع مختلف من الارض وما كانت فيه اي علامة على العدائية او الهجوم ومثل ما هو متوقع من الجنس البشري استعدوا بالسلاح والعلم كردة فعل طبيعية تجسد واقعهم.
بعد ما ياخذ البشر وقتهم بإزالة الشكوك يكتشفون ان الكائنات اللي وصلت كان هدفها التواصل من خلال عدة احداث صارت بالفيلم وهنا يأتي الحدث المفصلي بالفيلم، كيف هي طريقة التواصل؟ ما هي اللغة القادرة على صنع طرق فهم للطرفين؟.
غفلنا عن نقطة ان الفضائين في معظم اذا ماكانت كل افلام هوليود يتحدثون الانجليزية وهي وسيلة اختصار فقط لا غير، المفارقة اذا ما ناقشنا الوصول فعلياً بدون اي استناد على اي قصص اخرى كالهجوم او السيطرة وغيرها.
اللغة في مفهوم البشر محدودة بالاصوات والكتابة والرسم وفي معظم تفسيرات البشر لها ان اللغة هي الوسيلة اللي تعبر عن احتياجات ومشاعر الكائن للكائن الاخر بالظروف البيئية المحيطة بهم وليش قلت انها محدودة بالكتابة والاصوات والرسم، عشان ايضا اشمل فكرة ان بعد ما اتضحت لنا البيئة الحياتية بالارض كاملة بفضل التطور التكنولوجي بدينا نفهم بعض لغات الحيوانات ايضا ! نظرا لوجودهم ومشاركتهم معنا نفس البيئة (الكوكب)، فكثير من الافلام الوثائقية الخاصة بعلم الحيوان وضحت مفاهيم كثيرة تجاه هالمخلوقات وطرق تعبيرهم عن احتياجاتهم ومشاعرهم.
السؤال الاكبر الان ماذا لو كان الكائن خارج نطاق الكوكب بل المجرة نفسها ، ما هي طريقة التواصل (ماراح اقول لغة) لان احتمال انهم تعدوا هالمرحلة او متأخرين عنها حسب موقعهم الزمني المعرفي او اذا فطرتهم تختلف كليا عن فكرة اللغة كـ مفهوم للتواصل.
يستعان ب Amy adams كخبيرة لغويات و Jeremy Renner كخبير رياضيات لمحاولة الوصول لحل للتفاهم مع هالكائنات الجديدة.
مفارقة اللغة والزمن
هنا يأتي الجزء الاجمل بالفيلم، كما ذكرت مسبقا ان اللغة في مفهوم البشر محدودة بالاصوات والكتابة والرسم، ولكن ماهي اللغة وما علاقتها بالزمن وماهي دلائلها على البيئة المحيطة بنا؟.
فما الفرق بين ان اقول لك «ذهبت الى المنزل» وبين ان اقول «سأذهب الى المنزل» ؟ نعم انها الدلالة الزمنية على الماضي والحاضر والمستقبل. فالزمن بالنسبة للبشر مرتبط ارتباط وثيق باللغة ولذلك بدأت اللغة كنصوص خطية نظراً لان الزمان في مفهومنا انه خطي ايضاً. فاللغة تكتب بشكل خطي متتالي ولا يمكن لك ان تفهم سياق الجملة حتى تنتهي ولكن الامر المحير بالفيلم ان الموضوع ليس كذلك واليك المثال.
«ذهبت»
«ذهبت الى»
«ذهبت الى المنزل»
لم يكتمل المعنى ليس لان اللغة ناقصه بل لان الخط الزمني لم يكتمل فكلمة «ذهبت» معروف معناها وكذلك «الى». طيب لا زال الموضوع لا يثير الاهتمام لان هذا هو الشيء المنطقي لفهم اللغة فما هو الشيء المقصود؟
هنا تأتي المفارقة هل كان عدم فهمك للجملة الاولى يدل على نقصك اللغوي ام عدم علمك بحدث المستقبل ؟
بالتأكيد هو عدم علمك بحدوث المستقبل فأنت بالجملة الاولى لا تعلم اين ذهب (الى المنزل-السينما-المدرسة). وهنا يبدأ حجر ارتكاز الفيلم. تأتي الكائنات برموز دائرية غريبة تحتاج الى تفسير قد لا يدركه العقل البشري.
فالبشر في اصلهم مختلفون في اللغات ولكن متفقون في الادراك الزمني، فمثلا اللغة العربية تكتب من اليمين الى اليسار ولكن اللغة الانجليزية العكس تماما ومع ذلك يتفقون بالسياق الخطي.
تبدأ Amy adams بدراسة رموز الكائنات الفضائية فتكتشف التالي، لغتهم تكتب بشكل يتضمن جميع الدلائل الزمنية! بل ان سياق الوقت غير مهم فأنت علمت وتعلم وستعلم ما يقال. ولصعوبة استيعاب المقصود يأتي المخرج الرهيب Denis Villeneuve بالفكرة الرهيبة جدا لتوضيح المقصد. تبدأ Amy adams برؤية ومضات او ذكريات لفتاة صغيرة تناديها بصيغة امي بشكل متكرر رغم ان Amy adams لم تكن متزوجة في وقت الحادثة! فمن هي تلك الفتاة؟
هل هي وهم يخيل للشخصية؟
هل هي ذكريات مفقودة لابنتها السابقة؟
هل هي رغبات الشخصية التي لم تستطع الحصول عليها؟
عدة تساؤلات تطرح ولكن تأتي الصدمة لشخص مثلي كان جالس يأكل الفشار متوقعاً ان الفيلم عبارة عن هجوم للفضائيين وجمال التقنية في شرح ذلك مثلا كـ Star Wars. المفأجاة كانت ان تلك الومضات هي احداث لما سيحدث بالمستقبل!
ولفهم السياق كامل عرضت الكائنات على ايمي وعلى البشرية سلاح! فكانت اللغة التي كتبت لهم «نعرض عليكم السلاح». ولست هنا لا تطرق لاحداث الفيلم ولكن كانت النقطة المهمة جدا هي ان السلاح هو اللغة التي ستمكنكم من فهم المستقبل!
ولكن كيف للغة ان تكسر الحاجز الزمني في الادراك! بل يستحيل ذلك. لنفهم اولاً ان الاحداث من وحي الخيال فهو مجرد قصة تروى بداخل فيلم. ولكن هل هناك فعلا سياق تاريخي لذكر صياغة الماضي بعلومية المستقبل؟ نعم هناك
ومع فارق التشبيه والتنزيه لله عز وجل تأتي سياق الاية الكريمة ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ — النحل: ١. ولكن عندما تأخذ السياق اللغوي الزمني فإن الحدث لم يأتِ بعد. والنهي عن الاستعجال في الآية نفسها هو الدليل القاطع على ذلك!.
مجرد افتراض
لكن لو فرضنا جدلاً وجود لغة تستطيع كسر الحواجز الزمنية فكيف سيكون ارتباطها بالادراك البشري؟ وكيف سيكون تأثيرها على المشاعر؟ فلكل من اختار ان يرى المستقبل بالتصويت المسبق لنتحدث قليلاً:
— مع الاخذ بالافتراض ان اللغة تلك تستطيع شرح المستقبل وقلت لك للأسف لقد توفت ابنتك!
— ولكني غير متوزج الان
— نعم ولكن لقد فارقت الحياة بسبب مرض نادر
هنا يأتي التأثير العاطفي (المشاعر) باللغة فهل عندما تتيح لك الفرصة للزواج ستتزوج؟ وما الفائدة من ذلك لعلمك بحدوث ذلك ؟ وهل ستستطيع الاحساس بمشاعرك الى تلك الفترة ؟ ولما لا ؟. نحن البشر بمختلف الديانات والمذاهب نؤمن بحتمية الموت فما الفائدة من ان تتخرج بمعدل عالي؟ وما السعادة في بناء بيت احلامك ؟ هنا تأتي التساؤلات الوجودية البشرية نحن نعلم النهاية ولكن نتخذ القرارات لذلك.
ولحسن الحظ —عدم معرفتنا للمستقبل— هو ما يدفعنا لاستكشاف المجهول بل هو الوقود لذلك، ولانك لا تعرف هل تستطيع التخرج بمعدل عالي ام لا؟ فأنك تمضي للمستقبل بدافع الرغبة والفضول كما فعل الفيلم عندما ربطه بالفضائيين، هي ليست ركيزة الفيلم كما هو الظاهر ولكن ما تعنيه من مفهومنا للغة والزمن يجعل تجربة الحدث امر مشوق. وللأذكياء اللي اختاروا يشوفون المستقبل عشان ينجحون بالحاضر وتوقعاته لو علمتم ماذا سيحدث بعد ذلك لما تكبدتم العناء لذلك.
ولكن بدلاً من ذلك تعلموا لغة جديدة فكما هو معروف ان فهمك للغة اخرى يعني ان تعيد هيكلة دماغك ليرى العالم بصورة اخرى ربما تكون اجمل. فمن يتقن اكثر من لغة يعلم حجم المعرفة والخيالات وطرق التفكير المختلفة لذلك!.
وختاما هناك مفارقة عجيبة ايضا كان اسم ابنة ايمي بالفيلم هانا
H A NN A H
والذي ايضا يُقرأ كالدائرة بلا اي اتجاه فهو كما هو من الاتجاهين. اتمنى انكم استمتعوا بالمقالة الاولى لي هنا.





