ما اسمك؟
عن فيلم Your Name (2016) — فيلم كامل عن سؤال واحد
تنبيه: المقال يحرق الفيلم كاملًا.
«ما اسمك؟»
تقريباً هو أول سؤال يُقدم للشخص عند أول لقاء ، لان الاسم يمثل هوية متكاملة وليست فقط مدنية. الاسم هوية عاطفية تعريفية مترابطة، بغض النظر عن العلاقة القائمة بين الطرفين، فهو تأكيدك الواقعي لوجود شخص ما يحمل تلك الهوية الوجودية على الواقع.
فيلم «ما اسمك؟» يُنظر له بزاويتين مختلفتين على حسب الخلفية المعرفية للشخص. الزاوية الاولى هو أنه فيلم رومانسي يجمع فتاة ريفية بفتى من طوكيو في خط زمني منفصل عن بعضه، وهذا النوع متفهّم لأن الفكرة ليست جديدة في عالم السينما «الأنمي والأفلام».
الزاوية الأكثر جدلاً هي المنظور الفلسفي اللي حاول يخلقه كاتب الفيلم عن طريق العلاقة «غير الواقعية» هذي… بعيداً عن إبداع الفيلم في إظهار اليابان على حُلّتيها المتطورة «طوكيو» والريفية «إيتوموري»، حاول الكاتب خلق ثنائية من كل جانب — ذكر وأنثى، متقدم وريفي، زمن قديم وزمن جديد — وما اكتفى في عرض أساس الثنائية في خط زمني واحد متصل، أضاف عدة خطوط تكون فيها الشخصيات في حالات إدراكية مختلفة كليًا عن الخط الآخر، مع الإحساس بوجود شيء ما مختلف أو رغبة دفينة بلا سبب مقنع!
وهذا الشعور رائج عند بعض الأشخاص عندما يعتقد بمعرفة شخص لم يقابله من قبل! أو جزمك برؤية موقف «قد شفته من قبل»، ويقولون لك الجملة الشهيرة: «إنك تشوف شريط حياتك وأنت في بطن أمك». حلوة هذي الاعتقادات الميتافيزيقية غير العلمية بتاتًا في شرح هالظاهرة… هنا الفيلم يرتكز ارتكازًا أساسيًا على هالنظرة، لكن بصورة علاقة عاطفية بين فتاة وفتى يعرفون بعضهم أكثر من أنفسهم!
ومع ذلك هنالك حاجز الاسم … ما اسمك؟ كيف يستطيع الكاتب يوصّل لك هالظاهرة غير الطبيعية بصورة فيلم رهيب ورسم خيالي وموسيقى تصويرية جميلة؟ هذا محور الفيلم، ويظل السؤال الدائم بذهنك بعد إنهاء الفيلم:
ما اسمك؟
الكلمة التي يختبئ فيها عنوان الفيلم
في أحد فصول المدرسة ، تشرح المعلمة كلمة قديمة تاسوغاري (黄昏)، الغسق. وأصلها في اليابانية القديمة تاسوكاري (誰そ彼) .. وهي حرفياً جملة مكونّة من كلمتين: من ذاك؟
لأن الغسق هو الوقت الذي لا يكفي فيه الضوء لتمييز الوجوه. تلمح شبح إنسان قادماً في آخر الطريق، فلا تعرف أهو صديق أم غريب، فتسأل من ذاك؟ ومن كثرة ما سُئل السؤال في تلك الساعة، صار السؤال نفسه اسماً للساعة.
في قرية إيتوموري ينطقونها بلهجتهم كاتاواري-دوكي. وكاتاواري تعني الشِّق، النصف، الشيء المكسور الذي يفتقد نصفه الآخر.
وهذا ما يريده شينكاي «كاتب الرواية والمخرج» في مئة دقيقة أخذ كلمة يابانية معناها «من ذاك؟» وبنى عليها فيلماً كاملاً، ثم سماه بالسؤال نفسه. اللقاء الوحيد الحقيقي بين تاكي وميتسوها لا يحدث في النهار ولا في الليل ، بل في تلك الفجوة الضيقة التي اسمها من ذاك؟ — وهو الوقت الوحيد الذي يستطيع فيه كلاهما مقابلة الاخر دون معرفة البعض.
موسوبي .. الزمن حبل مترابط
مشهد الجدة كان المفتاح الفلسفي لذلك. حيث تقول واقتبس «إن ما يصنعونه في المعبد من حبال مجدولة (كوميهيمو) ليس حرفة ، هو صورة مصغّرة لقانون العالم اسمه موسوبي الا وهو العَقد، الربط»
«جدل الخيط موسوبي. وصل الناس ببعضهم موسوبي. جريان الزمن موسوبي. هي كلها قدرة الإله نفسه… الخيوط تجتمع وتأخذ شكلًا، تلتوي، تتشابك، تنحلّ أحيانًا وتنقطع، ثم تتصل من جديد. هذا هو موسوبي. وهذا هو الزمن.»
ثم تكشف لنا لماذا كان لشراب الأرز الممضوغ كل هذه الأهمية أي شيء يدخل جسدك من ماء، أرز، سكر — يتحول حين يخرج إلى موسوبي، أي إلى عُقدة تربط الروح بالجسد.
لاحظ ما فعله الكاتب هنا .. جرّد من الزمن صفته الخطية. الزمن عنده ليس سهماً يمشي في اتجاه واحد، على النقيض فهو خيط قابل للالتفاف على نفسه وقابل للانقطاع — وقابل وهذا المهم لأن يُربط مرة أخرى. ولذلك عندما يشرب تاكي نصف ميتسوها المحفوظ في المعبد منذ ثلاث سنوات، كان الامر يبدو كأنه خدعة سينمائية ولكنه بالاساس تطبيقاً حرفيًا لكلام الجدة مسبقاً. الخيط الأحمر الذي يظهر في شعر ميتسوها، وفي معصم تاكي، وفي ذيل المذنب المنقسم في السماء هو نفسه الخيط، بثلاث صور.
لماذا “الاسم” بالذات؟
هنا يكون مربط الفرس. الفيلم يستطيع أن يمحو أي شيء آخر ويظل محتملاً، لكنه اختار أن يمحو “الاسم”.
والسبب أن الذاكرة العاطفية والاسم شيئان منفصلان تماماً .. وهذي ملاحظة الفيلم الأذكى. تاكي يتذكر الشعور كله الشوق، ثقل الفقد، حرارة أنه كان يوماً شخصاً آخر. لا ينسى أنه أحبّ. ينسى فقط من أحبّ وتلك المفارقة. ولذلك حين يحاول أن يبحث، يكتشف أن الامر بلا اسم صعب جداً، يرسم البلدة من ذاكرته لانه لا يملك كلمة يكتبها في خانة البحث، الحب كان حاضراً بالوجدان، والمحبوب غير قابل للاستدعاء من الذاكرة.
الاسم إذاً ليس بطاقة تعريفية فقط ، هو المقبض الذي تمسك به الانسان في ذاكرتك. تستطيع أن تحمل شخصاً كاملاً في قلبك، لكنك لا تستطيع أن تناديه بلا مقبض وهذا الامر الاصعب على النفس. ولذلك كان اقسى مشهد في الفيلم هو اكثر المشاهد هدوءاً.. ينتهي وقت الغسق ، فيبدأ تاكي يفقد الاسم وهو ما زال واقفاً امام صاحبه.
ثم يأتي القرار الذي بُني عليه الفيلم كله. يتفقان أن يكتب كلٌ منهما اسمه على كف الآخر حتى لا ينسيا. يكتب تاكي أولاً، وينتهي الغسق قبل أن تكتب هي. وحين تنظر ميتسوها إلى كفها في الصباح ، تكتشف أنه لم يكتب اسمه! .. بل كتب:
「好きだ」 — أحبكِ.
استبدل الاسم بالشعور. وهذي في ظاهرها لحظة رومانسية، وفي باطنها اعترافه بالهزيمة! أعطاها الشعور ومنعها من الوسيلة. اصبح عندها كل شيء الا القدرة على أن تناديه. خمس سنوات من الدوران في طوكيو، والوقوف في القطارات، والالتفات لكل وجه عابر، لأن كفاً واحدة كتبت الجواب ونسيت السؤال!!
وتحت هذا كله .. كارثة حقيقية
بعد حادثة التسونامي في 2011، زار ماكوتو شينكاي قرية يورياغي الساحلية بعد أن مسحها تسونامي الزلزال العظيم. من هناك جاءت الفكرة، ومن هناك جاء اسم العمل الاول قبل أن يتغير «لو كنتُ أعلم أنه حلم» — عن بيت لاونو نو كوماتشي في القرن التاسع
إذا نمتُ وأنا أفكر فيه رأيتُه … لو كنتُ أعلم أنه حلم، لما استيقظتُ أبدًا.
وهذا يفسر لماذا لا تبدو إيتوموري بلدة خيالية بقدر ما تبدو انها بلدة مفقودة. في الفيلم يسقط المذنب في أكتوبر 2013 ويقتل نحو خمسمئة انسان، وحين يفتش تاكي في الارشيف عن الاسم، ويجد الأسماء مرتبة في قائمة ضحايا، قرية كاملة تحولت إلى صف من الأسماء في جريدة.
فالفيلم في ذاته أمنية بسيطة جداً وموجعة جداً .. كيف لإنسان ان يتمّلك شعورك بكامله وانت لا تعلم من هو وماذا اسمه؟ ولهذا كان لا بد أن تكون النهاية سعيدة .. لأن شينكاي لا يجامل جمهوره ، الفيلم من أوله دعاء وطلب في صيغة قصة.
هذا هو الفيلم إذاً .. قرية تُنسى، وفتاة تُنسى، واسماء تُنسى، وشعور ينجو من النسيان وحده لانه ببساطة لا يحتاج حروفاً.
وحين يلتقيان أخيراً بعد خمس سنوات وتحديداً في 2021، على درج معبد سوغا في طوكيو ، لا يقول أحدهما «اشتقت لك» ولا «أخيراً وجدتك» يقولان الجملة الوحيدة التي تصلح لأن تكون بداية ونهاية في وقت واحد
ما اسمك؟
وأنا عندما خرجت من الفيلم لم افكر في فاجعة المذنب ولا في الخيط الأحمر. فكرت في شيء أبسط بكثير وهو أن كل شخص عرفته وضاع مني ، ضاع لان مقبضه انكسر لا لان مكانه في قلبي امتلئ. الشعور باقي في مكانه، والاسم هو الذي سقط مني.







